الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي في البناء السعودي، بين الواقع والادّعاء

تقرير ميداني عن استخدام AI في مشاريع البناء السعودية: نيوم، القدّية، الرياض، وما هو مطبَّق فعلياً مقابل ما يبقى وعوداً تسويقية.

فريق مقالات، قسم التقنية ٤ سبتمبر ٢٠٢٦ 7 دقيقة قراءة

في موقع بناء ضخم شمال غرب المملكة، تصعد طائرة مسيّرة بحجم شنطة يد صباح كل يوم. تدور فوق المشروع لأربعين دقيقة، تلتقط عشرات آلاف الصور، ثمّ تعود لتشحن بطاريتها. مساء اليوم نفسه، تقرير آليّ يصل مدير المشروع. تقدّم البناء مقارنةً بالخطّة، انحرافات محتملة، توقّعات تأخير. القرار للمهندس، لكن البيانات جاهزة.

هذا ليس مشهداً مستقبلياً. يحدث اليوم في عدد من مواقع البناء الكبرى في السعودية، ومنها بعض مشاريع نيوم والقدّية والدرعية.

لكن السؤال ليس "هل الذكاء الاصطناعي دخل قطاع البناء السعودي"، بل "بأيّ عمق، وأين حقيقةً؟". هذا التقرير محاولة للتمييز بين ما هو مطبَّق فعلياً وما يبقى وعوداً تسويقية.

البناء صناعة قديمة تقاوم التحوّل

قبل النظر في التطبيقات السعودية، من المفيد إدراك سياق أوسع. قطاع البناء عالمياً من أقلّ القطاعات إنتاجية بحسب معايير التحوّل الرقمي. تقرير McKinsey Global Institute الشهير عام ٢٠١٧ أظهر أنّ إنتاجية عمّال البناء لم تتحسّن إلا بنسبة ضئيلة على مدى العقود الثلاثة السابقة، بينما تضاعفت في التصنيع.

الأسباب معروفة. المشاريع مؤقّتة، السلاسل الإنتاجية معقّدة، والهامش الربحي ضيق يمنع الاستثمار في تقنيات جديدة. حين ينكسر أي من هذه، تُصبح التقنية جذّابة.

المشاريع السعودية العملاقة كسرت الحاجزَين الأخيرَين. الحجم يُبرّر الاستثمار، والدعم الحكومي يوفّر السيولة. لكن التنفيذ اليومي في الموقع لا يزال يواجه نفس تحدّيات الصناعة عالمياً.

المطبَّق فعلياً: ثلاث طبقات

الأدلّة الميدانية من مواقع مثل نيوم وبرنامج المشاريع الوطنية وشركة سار للسكك الحديدية تُشير إلى ثلاث طبقات نضجت.

الطبقة الأولى: النمذجة والتخطيط

نمذجة معلومات البناء (Building Information Modeling) صارت شبه إلزامية في أي مشروع كبير سعودي منذ ٢٠٢٠. اشتراطات هيئة تطوير المشاريع الكبرى تفرضها في العقود. الأدوات الرئيسية هي Autodesk Construction Cloud وBentley iTwin.

الجديد أنّ طبقات AI تُضاف فوق BIM. كشف التعارضات آلياً يفحص ما إذا كان أنبوب سباكة يمرّ في مكان كابل كهربائي، أو إن كانت دعامة إنشائية تعوق فتحة تهوية. قبل الأتمتة، هذا يستغرق أسابيع من مهندس متخصّص. اليوم، ساعات على السحابة.

الأداة تُنتج قائمة تعارضات مرتّبة بالخطورة. المهندس يُراجع ويقرّر. نسبياً، هذا التطبيق الأنضج والأكثر فائدة اقتصادية.

الطبقة الثانية: الرصد التصويري

الطائرات المسيّرة صارت أداة معيارية في المواقع الكبرى. الرائدة عالمياً DJI Enterprise لكن هناك بدائل مثل Skydio الأمريكية التي تُقدَّم للمواقع الحساسة لأسباب أمنية.

الطائرة نفسها معدّات قياسية. القيمة في البرامج التي تُحلّل الصور. شركتان بارزتان في هذا التخصّص عالمياً هما OpenSpace الأمريكية التي تُوثّق الموقع بكاميرا ٣٦٠ درجة ثمّ تُقارن التقدّم يومياً بالخطّة، وBuildots الإسرائيلية التي تُشغّل كاميرات مثبّتة على خُوَذ العمّال وتُحلّل الفيديو آلياً لكشف الأنشطة المكتملة.

تقارير ميدانية تُشير إلى استخدام حلول مماثلة في عدد من مواقع الرياض والدرعية. الشركات التي نشرت دراسات حالة تشمل مقاولين كبار مثل Bechtel وSkanska في مشاريع البنية التحتية.

الطبقة الثالثة: أنظمة السلامة

الكاميرات في المواقع لم تعد فقط لتوثيق الحوادث. بأنظمة رؤية حاسوبية، تُنبّه فوراً حين يدخل عامل منطقة خطر بلا معدّات وقاية، أو حين تعمل رافعة قرب أشخاص. شركات مثل smartvid.io طوّرت هذا التخصّص.

الأثر على الأرقام واضح. الشركات التي طبّقت هذه الأنظمة تُبلّغ عن انخفاض حوادث بنسب تتراوح بين ٢٠ و٤٠٪ خلال السنة الأولى بحسب دراسة حالة Suffolk Construction. في السعودية، السلامة أولوية معلنة، والإنفاق عليها مقبول.

المُعلَن ولم يُطبَّق بالكامل بعد

في المقابل، عدد من التقنيات تُروَّج بقوّة إعلامياً دون تطبيق واسع بعد.

الطباعة ثلاثية الأبعاد للمباني

شركات مثل Cybe Construction الهولندية وICON الأمريكية طبعت مباني كاملة. Cybe نفّذت مشاريع في السعودية بحسب موقعها الرسمي، أبرزها مبنى في العُلا.

لكن هذه المشاريع مبان صغيرة أو تجريبية. لا يوجد حتى الآن أي برج سكني كامل أو مجمّع أعمال طُبع بالكامل بهذه التقنية في السعودية أو غيرها. الاقتصاديات لا تنافس البناء التقليدي عند الحجم الكبير، والتشريعات تحتاج تطويراً للسماح باعتماد هذه المباني كسكن دائم.

الروبوتات البشرية على الموقع

Boston Dynamics أعلنت شراكة مع نيوم لاختبار روبوتاتها Spot (الكلب الآلي) وAtlas (البشري). Figure و1X شركات أخرى في هذا المجال.

الاستخدام الحالي تجريبي. Spot يُستخدم للفحص في بيئات خطرة، كمواقع بعد انفجارات أو تفتيش أنابيب في الأماكن الضيّقة. Atlas والروبوتات البشرية الأخرى لا تعمل كعمّال بناء فعليّين في أي موقع تجاري عالمياً. الادّعاءات بأنّ "روبوتات ستبني نيوم" تسويقية لا تنفيذية.

التوائم الرقمية

المفهوم مذهل نظرياً. نموذج رقمي حيّ للمشروع، يُحدَّث بالوقت الفعلي من مستشعرات، ويُتيح محاكاة سيناريوهات. الواقع أضيق. التوائم الرقمية موجودة لكنّها في الغالب نسخ ثلاثية الأبعاد ثابتة تُحدَّث بشكل دوري، لا نماذج تفاعلية بالوقت الحقيقي.

المشروع الأشهر عالمياً في هذا التخصّص هو توأم سنغافورة الرقمي الذي طُوّر بشراكة بين الحكومة وDassault Systèmes.

نيوم، الرمز والاختبار

نيوم مشروع بحجم لا يقارن. الميزانية المُعلنة تتجاوز ٥٠٠ مليار دولار، ومكوّناته تشمل The Line (مدينة خطيّة بطول ١٧٠ كم)، Oxagon (مدينة صناعية عائمة)، Trojena (منتجع جبلي شتوي)، والبحر الأحمر الدولي (منتجعات).

كل هذه المشاريع أُعلنت باستخدام مكثّف للـAI في التصميم والبناء. الواقع مختلط.

المُنجَز الحقيقي: نمذجة رقمية شاملة، شراكات مع شركات تقنية عالمية، بنى تحتية رقمية أوّلية للمرحلة الأولى. تقارير Bloomberg وFinancial Times على مدى ٢٠٢٤-٢٠٢٥ رصدت تأخيرات كبرى في المواعيد المعلنة. The Line كان مقرّراً استيعاب مليون ساكن بحلول ٢٠٣٠. التقديرات الحالية أقلّ من ٣٠٠ ألف بحسب تقرير Bloomberg.

هذا لا يعني فشل المشروع. المشاريع بحجم نيوم تتأخّر تاريخياً. لكنّه يعني أنّ الادّعاءات بأنّ "AI يحلّ كل تحدّيات البناء" تحتاج قراءة نقدية. البناء الفعلي بشريّ بأدوات متطوّرة، لا آليّ بالكامل.

دور الشركات السعودية

بينما تُهيمن الشركات الأمريكية والأوروبية على أدوات AI في البناء، هناك محاولات محلّية لبناء قدرات.

شركة ألف (Alef Aviation) طوّرت طائرات مسيّرة للفحص الصناعي، تخدم أرامكو وسابك. Elm الشركة السعودية التقنية تُوفّر منصّات رقمية لإدارة المشاريع. اللجنة السعودية للـBIM أطلقت معايير محلّية عام ٢٠٢٢ لتوحيد ممارسات النمذجة في المشاريع الحكومية.

لكن لا توجد حتى الآن شركة سعودية بارزة في تطوير برمجيات AI للبناء بمعايير عالمية. الفرصة قائمة، والمشاريع الكبرى تُوفّر بيئة اختبار مثالية لأي شركة ناشئة تريد الدخول.

مقارنة أدوات AI للبناء

| الأداة | التخصّص | الاستخدام السعودي | النضج | |---|---|---|---| | Autodesk Construction Cloud | BIM + إدارة مشاريع | واسع | عالٍ | | Bentley iTwin | BIM + توائم رقمية | متوسّط | عالٍ | | OpenSpace | رصد تصويري | محدود مُعلَن | متوسّط | | Buildots | تحليل فيديو | تجريبي | متوسّط | | smartvid.io | سلامة بالرؤية | محدود مُعلَن | متوسّط | | Cybe Construction | طباعة 3D | تجريبي (العُلا) | منخفض | | Boston Dynamics Spot | فحص روبوتي | تجريبي | متوسّط | | ICON | طباعة 3D سكنية | لا يوجد | تجريبي |

المخاطر الحقيقية

الاعتماد المتزايد على AI في البناء يُدخل مخاطر جديدة.

أوّلها أخطاء البيانات المُخفاة. تقرير آلي يُنتج رقماً واحداً يبدو موثوقاً، بينما البيانات المُدخَلة قد تكون خاطئة أو منقوصة. مهندس متمرّس يكتشف هذا. مهندس شاب يعتمد على النظام كلياً، قد لا يكتشف.

ثانيها الاعتماد على مزوّدين أجانب في بنى تحتية حيوية. إن كانت أنظمة إدارة مبانٍ حكومية أو منشآت طاقة تعتمد على برمجيات مُدارة من الخارج، فهذا مخاطرة سيادية. الحلّ ليس رفض الأدوات، بل بناء بدائل محلّية موثوقة تدريجياً.

ثالثها ضياع مهارات التقدير البشري. المهندس المدني الذي يتخرّج اليوم قد لا يتعلّم أبداً كيف يُقدّر وقت مشروع أو تكلفته يدوياً، لأنّ الأدوات تفعل ذلك تلقائياً. حين تُخطئ الأدوات، لا أحد يكتشف.

ما يستحقّ الاستثمار

للمقاول أو مالك المشروع في السعودية اليوم، هناك ثلاثة تطبيقات لها عائد واضح ومُبرهن.

النمذجة الشاملة بـBIM مع طبقة كشف تعارضات آلية تُوفّر من الوقت والتكلفة نسباً كبيرة قبل أن تبدأ التربة تُحفر. الرصد التصويري بالطائرات المسيّرة وتحليل الصور آلياً يعطي رؤية أسبوعية للتقدّم الفعلي، ويكشف مشاكل قبل أن تتفاقم. أنظمة السلامة بالرؤية الحاسوبية أثرها على أرقام الحوادث موثّق، والتكلفة أقلّ بكثير من الأضرار البشرية والقانونية للحوادث.

باقي التقنيات، من روبوتات بشرية إلى طباعة ثلاثية الأبعاد لمبانٍ كاملة إلى توائم رقمية بالوقت الفعلي، مثيرة للاهتمام تقنياً لكنّها لا تُقدّم عائداً واضحاً بعد. الحكمة الاستثمار فيها كمشاريع تجريبية لا كحلول أساسية.

قطاع البناء السعودي يمرّ بأكبر موجة تحوّل رقمي في تاريخه. الفارق بين ما سيحقّق قيمة وما سيبقى مصاريف تسويقية يعتمد على قدرة صنّاع القرار على التمييز بين الأدوات النافعة والادّعاءات اللامعة.


اقرأ أيضاً:

هل أفادك هذا المقال؟

كن أول من يقيّم

الأسئلة الشائعة

استخدام محدود ومختلف عن الصورة الإعلامية. أُعلنت شراكات مع شركات مثل Cybe Construction (طباعة 3D خرسانية) وBoston Dynamics (روبوتات فحص Spot)، لكن معظم البناء الفعلي في مواقع نيوم لا يزال يعتمد على العمالة التقليدية بحسب تقارير Bloomberg وFinancial Times المتابعة للمشروع. الطموح الرقمي أوسع من التنفيذ الحالي بكثير.
Building Information Modeling نموذج ثلاثي الأبعاد يحمل كل بيانات المبنى: هندسة، كهرباء، سباكة، مواد، جدول تنفيذ. طبقات AI تُضاف فوقه لكشف التعارضات (Clash Detection) بين التخصّصات، وتوقّع التأخيرات، وتحسين التسلسل الزمني. أدوات مثل Autodesk Construction Cloud وBentley iTwin هي المهيمنة.
نعم، هذا التطبيق الأكثر نضجاً. شركات مثل DJI Enterprise وSkydio تُستخدم في مواقع البناء الكبرى لالتقاط صور دورية، مقارنتها بالنموذج المخطَّط، وتوليد تقارير تقدّم. Aramco وسابك يستخدمانها لفحص المرافق منذ سنوات. الجديد ليس الطائرات نفسها، بل تحليل الصور آلياً.
OpenSpace وBuildots في الرصد التصويري، Doxel في تحليل التقدّم، Alice Technologies في التخطيط، Trimble وBentley في منصّات BIM. Bechtel وSkanska من بين المقاولين الكبار الذين طوّروا فرقاً داخلية للـAI. لا توجد حتى الآن شركة سعودية بارزة عالمياً في هذا التخصّص.
حقيقية لكن محدودة النطاق. شركات مثل ICON في تكساس بنت عشرات المنازل الصغيرة بالطباعة الخرسانية. Cybe Construction الهولندية تُنفّذ مشاريع في السعودية. لكن أي محاولة لبناء برج أو مجمّع كامل بالطباعة تبقى تجريبية. الاقتصاديات ما زالت لا تنافس البناء التقليدي في معظم الحالات.
الخطر الأوّل: تقارير خاطئة تُخفي مشاكل حقيقية في الموقع. الثاني: اعتماد على مزوّدين أجانب لأنظمة تحكّم في بنى تحتية حيوية. الثالث: فقدان مهارات التقدير البشري لدى المهندسين الشباب الذين اعتادوا على قرارات آلية. مشاريع مثل نيوم حسّاسة لهذه المخاطر بسبب حجمها.
تحليل صور الطائرات المسيّرة لمراقبة التقدّم في مواقع كبرى، وأدوات Clash Detection في مرحلة التصميم، وأنظمة السلامة المُدارة بالكاميرات. هذه الثلاث لها عائد استثمار واضح ومقاس. أمّا الروبوتات البشرية والطباعة ثلاثية الأبعاد على نطاق واسع، فلا تزال في مرحلة الاختبار.

مقالات ذات صلة

نشرة مقالات الأسبوعية

اشترك تصلك أحدث المقالات + مختارات نادرة كل أحد. بلا سبام، ألغي الاشتراك بضغطة.

لا نشارك بريدك مع أي طرف ثالث. راجع سياسة الخصوصية.

التعليقات

بريدك لن يظهر ولن يُرسل إليه شيء — يُستخدم فقط لمنع الإزعاج.

لا تعليقات بعد — كن أول من يكتب.