Google DeepMind، عملاق الأبحاث في AI
من Move 37 في هزيمة Lee Sedol إلى AlphaFold ونوبل ٢٠٢٤ إلى Gemini. رحلة DeepMind الكاملة من ٢٠١٠ إلى اليوم.
١٠ مارس ٢٠١٦. الحركة السابعة والثلاثون في المباراة الثانية بين AlphaGo وLee Sedol.
Lee، بطل العالم في لعبة Go لأكثر من عقد، ينظر إلى اللوحة. الحركة التي وضعها AlphaGo لتوّه لا معنى لها. حجر أسود في المنطقة الخامسة من العمود O. أيّ لاعب محترف كان سيراها خطأً كارثياً. المعلّق الأوروبي Michael Redmond (تاسع دان محترف) قال على الهواء: "هذه حركة غريبة جدّاً. أعتقد أنّها خطأ".
Lee احتاج ١٢ دقيقة ليردّ. حين انتهت المباراة بعد ساعات، اتّضح أنّ الحركة ٣٧ كانت اللحظة التي كسر فيها AlphaGo كل نظريات Go المتراكمة عبر ثلاثة آلاف سنة. الحركة التي بدت خطأً كانت في الحقيقة عبقرية لم تخطر ببال أيّ إنسان.
Fan Hui، بطل أوروبا الذي هُزم قبل أشهر من AlphaGo، وصف اللحظة لاحقاً: "لم تكن حركة بشرية. لم أرَ أحداً يفعل هذا. جميلة جدّاً". Lee فاز في المباراة الرابعة بحركة عبقرية من عنده (سُمّيت لاحقاً "God's Touch")، لكنّه خسر السلسلة ١-٤. حين انتهت، جلس أمام الكاميرات وقال جملة تكرّرت في كل تغطية: "لا أشعر بأنّي خسرت. أشعر بأنّ الجنس البشري خسر".
الشركة التي بنت AlphaGo كانت DeepMind. المدير التنفيذي كان Demis Hassabis. القصّة تبدأ قبل هذا الحدث بست سنوات، في مكتب صغير في لندن.
من ألعاب فيديو إلى نوبل
Demis Hassabis وُلد في لندن ١٩٧٦ لأب يوناني قبرصي وأمّ سنغافورية. في الرابعة، تعلّم الشطرنج. في الحادية عشرة، صار Master. في السابعة عشرة، برمج لعبة Theme Park التي بيعت ملايين النسخ. في العشرين، حصل على درجة أولى في علوم الحاسوب من كامبريدج. أسّس ستوديو ألعاب اسمه Elixir Studios، ثمّ باعه. عاد للأكاديمية وحصل على دكتوراه في علم الأعصاب من UCL. أبحاثه كانت عن كيف يتخيّل الدماغ البشري المستقبل.
عام ٢٠١٠، أسّس DeepMind مع Shane Legg (زميل الدراسات العليا، دكتوراه نظرية في AGI) وMustafa Suleyman (صديق طفولة، خلفية في السياسات). الرؤية كانت طموحة إلى حدّ يُعتبر جنوناً في وقتها: بناء ذكاء اصطناعي عام (AGI) عبر دراسة كيف يعمل الدماغ.
في ٢٠١٣، نشرت الشركة ورقة "Playing Atari with Deep Reinforcement Learning". النموذج تعلّم لعب ٤٩ لعبة Atari مختلفة من مجرّد النظر إلى شاشة البكسل، دون أن يُعلَّمها أحد قواعدها. Google لاحظت. في يناير ٢٠١٤، استحوذت على DeepMind مقابل ٦٥٠ مليون دولار. Larry Page، مؤسّس Google، وصف الصفقة لاحقاً بأنّها من "أذكى استثماراته".
سلسلة Alpha التي غيّرت كل شيء
بعد الاستحواذ، ركّزت DeepMind على مسار طموح: إتقان الألعاب المعقّدة كمرحلة أولى نحو AGI.
AlphaGo كان الإنجاز الأوّل. لعبة Go كانت تُعتبر مستحيلة على الحواسيب لأنّ عدد الحالات الممكنة فيها (١٠^١٧٠) يتجاوز عدد الذرّات في الكون المُلاحَظ. الأساليب التقليدية (بحث شامل + تقييم يدوي للحركات) فشلت لعقود. DeepMind دمجت التعلّم العميق مع التعلّم المعزّز والبحث بشجرة مونت كارلو. النتيجة كانت هزيمة Lee Sedol ٢٠١٦.
AlphaGo Zero (أكتوبر ٢٠١٧) كان أعمق. بدأ من الصفر بلا أيّ بيانات بشرية، فقط قواعد اللعبة. لعب ضدّ نفسه ٤.٩ مليون مرّة خلال ثلاثة أيام. في نهاية اليوم الأربعين، هزم AlphaGo الأصلي ١٠٠-٠. أثبت أنّ التعلّم البشري ليس ضرورياً.
AlphaZero (ديسمبر ٢٠١٧) عمّم الفكرة. نموذج واحد تعلّم Go والشطرنج وShogi من الصفر، وهزم أفضل محرّكات كل لعبة. AlphaStar (٢٠١٩) فتح StarCraft II على مستوى Grandmaster. MuZero (٢٠٢٠) لعب ألعاباً دون أن يُعطى قواعدها.
لكنّ الإنجاز الحقيقي كان في مكان آخر تماماً.
AlphaFold، اللحظة التي تجاوزت الألعاب
مشكلة طيّ البروتينات ظلّت لغزاً في علم الأحياء لنصف قرن. البروتين سلسلة من الأحماض الأمينية، لكنّه لا يبقى على شكل سلسلة. يُطوى في الفضاء ثلاثي الأبعاد بشكل محدّد يُحدّد وظيفته. حلّ هذه الأشكال يدوياً يستغرق سنوات لكل بروتين وملايين الدولارات. البلورات بالأشعّة السينية، المجهر الإلكتروني، الرنين النووي المغناطيسي، كلها بطيئة ومكلفة.
في ٢٠١٨، دخلت DeepMind مسابقة CASP (المسابقة الدولية لتقييم توقّعات بنية البروتينات). AlphaFold 1 حصل على المركز الأوّل بفارق واضح. لكنّ الطفرة جاءت ٢٠٢٠. AlphaFold 2 حصل على درجة ٩٢.٤ من ١٠٠ في CASP14، مستوى دقّة يُقارَب طرق البلورة التجريبية. مؤسّس CASP، John Moult، قال في مقابلة: "هذه لحظة تغيّر أساساً كيف نمارس علم الأحياء".
في يوليو ٢٠٢١، أعلنت DeepMind أنّها ستُطلق قاعدة بيانات مفتوحة تحوي بنية جميع البروتينات البشرية المعروفة، ثمّ توسّعتها لتشمل ٢٠٠ مليون بنية من مختلف الكائنات. مجّاناً. بلا قيود بحثية. الأثر تخطّى الوصف. أدوية جديدة تصميمها. مسارات بيولوجية تُفهم لأوّل مرّة. آلاف الأوراق البحثية استندت لها.
في أكتوبر ٢٠٢٤، حصل Demis Hassabis وJohn Jumper (قائد فريق AlphaFold) على جائزة نوبل في الكيمياء. لأوّل مرّة في تاريخ الجائزة، كان الاختراق المُكرَّم برنامج حاسوب. Hassabis نال Knighthood من الملك تشارلز في العام نفسه. القصّة اكتملت.
الاندماج مع Google Brain
أبريل ٢٠٢٣. Sundar Pichai (رئيس Google) أعلن دمج DeepMind وGoogle Brain في كيان واحد اسمه Google DeepMind، بقيادة Hassabis. القرار جاء تحت ضغط. ChatGPT كان قد أطلق قبل خمسة أشهر. Google، الرائدة العلمية تاريخياً في LLMs (Transformer نفسها اختُرِعت في Google Brain ٢٠١٧)، وجدت نفسها في وضع دفاعي.
الدمج لم يكن سهلاً. Google Brain كانت لديها ثقافة أكاديمية مفتوحة (نشر أوراق، تشارك الكود). DeepMind كانت أكثر انغلاقاً وموجّهة نحو مشاريع طويلة. Jeff Dean (الأسطورة في Google Brain) صار كبير العلماء. Sergey Brin (المؤسّس المشارك لـGoogle) عاد جزئياً من التقاعد للمساهمة. الفريق الجديد بدأ العمل على مشروع واحد كبير: Gemini.
Gemini، الرد الرسمي على ChatGPT
Gemini 1 أُطلق ديسمبر ٢٠٢٣. النموذج جاء بثلاثة أحجام (Ultra، Pro، Nano) ومقارنته مع GPT-4 كانت متقاربة. الإطلاق واجه انتقادات بسبب مبالغة في التسويق (فيديو تجريبي كان مُحرَّراً بشكل خادع). لكنّ Gemini 1.5 في فبراير ٢٠٢٤ غيّر المعادلة: نافذة سياق مليون توكن، لأوّل مرّة في نموذج تجاري. القدرة على معالجة فيديو طويل وكتب كاملة دون تجزئة.
Gemini 2 في نهاية ٢٠٢٤ أضاف قدرات وكيلة أعمق. Gemini 2.5 في ٢٠٢٥ نافس Claude 4 وGPT-5 في المقاييس العليا. الأهمّ أنّ Google دمجت Gemini في كل منتجاتها: Workspace، Search، Chrome، Android. الميزة الاستراتيجية التي لا تملكها OpenAI ولا Anthropic هي التوزيع.
الأبحاث الأخرى التي غيّرت مجالات كاملة
بعيداً عن Gemini، DeepMind تواصل الأبحاث في اتّجاهات متعدّدة.
GraphCast (٢٠٢٣) في التنبّؤ بالطقس تفوّق على النماذج التقليدية بسرعة ألف ضعف ودقّة أعلى. مراكز أرصاد وطنية اعتمدته. Météo France وECMWF (المرجع الأوروبي) دمجاه في عملياتهما.
AlphaProteo (٢٠٢٤) صمّم بروتينات جديدة من الصفر، خطوة نحو الأدوية المصمّمة حاسوبياً. AlphaMissense (٢٠٢٣) صنّف ٧١ مليون طفرة جينية بحسب احتمال إمراضها، ما يُسرّع اكتشاف الأمراض النادرة.
AlphaCode 2 في البرمجة وصل مستوى Top 15% في مسابقات Codeforces. Astra، مساعد Google الجديد، مبنيّ على Gemini بقدرات رؤية وصوت متقدّمة. مشاريع الروبوتات (RT-2، RT-X) تدرّس كيف تنقل النماذج التعلّم من الويب إلى العالم الفيزيائي.
الفريق والحجم
Google DeepMind اليوم يضمّ أكثر من ٥٠٠٠ باحث ومهندس. الحصّة الأكبر لا تزال في لندن (المقرّ الأصلي)، مع فروع كبيرة في ماونتن فيو وزيوريخ وباريس ومونتريال.
الرواتب من الأعلى في الصناعة، مع منافسة شرسة مع OpenAI وAnthropic وMeta على المواهب النادرة. تقارير الصناعة تُشير إلى عروض بمبالغ سبعة أرقام سنوياً لباحثين كبار.
الفلسفة: العلم أوّلاً
الفارق الجوهري بين DeepMind وOpenAI ليس تقنياً. هو ثقافي. OpenAI بنت نفسها كشركة منتجات مع طبقة أبحاث. DeepMind بُنيت كمختبر أبحاث علمي مع طبقة منتجات لاحقة. Hassabis يُصرّ باستمرار على أنّ الهدف هو "فهم الذكاء" وليس فقط بناء أدوات.
هذا يظهر في نوعية الأوراق التي تُنشر. أوراق DeepMind تُنشر في Nature وScience بشكل منتظم، وهي مجلات لا تقبل إلا الأبحاث التي تُقدّم مساهمة علمية جوهرية. AlphaFold في Nature. GraphCast في Science. AlphaCode في Science. القائمة تطول.
الانتقادات
النقطة الأولى: البطء النسبي في التسويق. DeepMind بنت تقنيات مذهلة قبل ChatGPT، لكنّها فشلت في تحويلها إلى منتجات استهلاكية. LaMDA (٢٠٢١) كان يُنافس GPT-3 على المستوى الفنّي، لكن Google رفضت إطلاقه للجمهور خوفاً من المخاطر. هذا التحفّظ ترك الباب مفتوحاً لـChatGPT ليأخذ السوق.
النقطة الثانية: الاندماج والصراعات الداخلية. دمج Google Brain وDeepMind في ٢٠٢٣ لم يكن سلساً. تقارير من الداخل تحدّثت عن توتّرات بين فريقَين لديهما ثقافات مختلفة. بعض الباحثين غادروا إلى شركات ناشئة، Noam Shazeer (أحد مؤلّفي Transformer) غادر ثمّ عاد ضمن صفقة استحواذ لاحقة.
النقطة الثالثة: علاقة معقّدة مع Alphabet. Mustafa Suleyman، أحد المؤسّسين الثلاثة، غادر ٢٠٢٢ إلى شركته الخاصّة Inflection، ثمّ انتقل إلى مايكروسوفت ٢٠٢٤. حين يُغادر مؤسّس، غالباً هناك سبب أعمق من "فرصة أفضل".
Google DeepMind vs المنافسين
| المعيار | Google DeepMind | OpenAI | Anthropic | |---|---|---|---| | التأسيس | ٢٠١٠ (اندماج ٢٠٢٣) | ٢٠١٥ | ٢٠٢١ | | القيادة | Demis Hassabis | Sam Altman | Dario Amodei | | النموذج | Gemini 2.5 | GPT-5 | Claude 4.7 | | المميّز | العمق العلمي + التوزيع | القيادة السوقية | الأمان + الأخلاق | | النشر الأكاديمي | مكثّف | محدود | متوسّط | | جوائز Nature/Science | متعدّدة | نادرة | نادرة | | نافذة السياق | ١M+ توكن | ~٤٠٠ألف توكن | ٢٠٠ألف توكن |
في السعودية
Gemini متاح بلا VPN، ومدمج في Google Workspace المستخدَم في معظم الشركات السعودية الكبرى. الجامعات السعودية (KAUST، KAU، جامعة الملك سعود) لديها شراكات بحثية مع Google Cloud تشمل الوصول لـGemini. NEOM أعلنت عن تعاون واسع مع Google Cloud.
للمستخدم الفرد، Gemini Advanced بعشرين دولاراً شهرياً (ضمن Google One AI Premium) خيار قوي، خاصّة للاستفادة من نافذة السياق الكبيرة ودمجه مع Gmail وDrive وDocs.
المستقبل
Hassabis يتحدّث بانتظام عن AGI، لكن بحذر أكاديمي. رؤيته: AGI ليس مجرّد نموذج لغوي كبير أكبر. هو نظام يفهم العالم فعلياً، يبني نماذج داخلية دقيقة، يستنتج ويستدلّ بشكل يُشبه الإنسان. الوصول لذلك يتطلّب اختراقات في التخطيط والذاكرة والتفكير المتعدّد الخطوات، وهذه لم تحدث بعد.
DeepMind رهانها على الأبحاث الأساسية. Gemini 3 قادم. مشاريع في الطبّ (Isomorphic Labs، شركة الأدوية التابعة). مشاريع في الطاقة (تعاون مع منظّمات الاندماج النووي). مشاريع في الرياضيات (AlphaProof حلّ مسائل الأولمبياد الدولي بمستوى ميدالية فضّية).
الرهان الأكبر: أنّ فهم الذكاء هو مهمّة علمية أوّلاً، وأنّ الشركة التي تحلّها ستقود الاقتصاد في العقود القادمة.
المصادر الرسمية
اقرأ أيضاً: AlphaFold وأبحاث AI العلمية · الطقس والذكاء الاصطناعي · OpenAI، الشركة الأمّ لـChatGPT
هل أفادك هذا المقال؟
الأسئلة الشائعة
مقالات ذات صلة
الذكاء الاصطناعي العام (AGI): هل قريب؟ الجدل الكامل
شرح لجدل AGI، ما هو تعريفه الحقيقي، آراء Sam Altman و Demis Hassabis و Yann LeCun و Gary Marcus، الاختبارات المقترحة، والتوقّعات الواقعية للوصول إليه.
AGI و Superintelligence، النقاش الحقيقي بلا خيال
شرح تفصيلي للذكاء العام (AGI) والذكاء الفائق (ASI): التعاريف، المتفائلون، المتحفّظون، ماذا يعني للحياة اليومية.
مصنّعو رقائق الذكاء الاصطناعي، NVIDIA، AMD، TSMC، Intel
دليل لصناعة رقائق AI: NVIDIA، AMD، Intel، Broadcom، TSMC، Samsung، الحصص، الحرب الجيوسياسية، والسعودية.
نشرة مقالات الأسبوعية
اشترك تصلك أحدث المقالات + مختارات نادرة كل أحد. بلا سبام، ألغي الاشتراك بضغطة.
لا نشارك بريدك مع أي طرف ثالث. راجع سياسة الخصوصية.